حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

28

شاهنامه ( الشاهنامه )

ثم تبدّى له إبليس بعد ذلك في زي شاب رشيق يخلب القلوب بلطفه ، ويسحر العيون بحسنه . وجاء إلى باب داره ، وعرض نفسه عليه . وقال : أنا صانع حاذق أطبخ ألوان الأطعمة ، وأحسق خدمة الملوك . فقبله وقلده المطبخ الخاص . فلم يزل يبدع في اتخاذ ألوان الأطعمة ، ويخترع كل يوم شيئا لا يشبه الآخر . وكان أكلهم في أوّل الأمر من نوع واحد . فلما رأى الملك ذلك أعجبه ، واستصفاه ، ومال اليه كل الميل . فطالت مدّته في خدمته ، والقائم بفرائض طاعته ، وأخذ بمجامع قلب الملك حتى صار بحيث لا يصبر عنه ساعة . فدخل عليه يوما فقال له اقترح على حاجة أقضيها لك فان من الواجب مراعاة مثلك ، والإحسان إليك . فأطلق لسانه بالدعاء للملك . وقال مالي حاجة غير بقائك ، ودوام ملكك ، وثبات دولتك . فإن كان ولا بد من سؤال فأرجو أن يمكنى الملك حتى أقبل منكبيه ، وأتشرف بذلك . فأذن له فيه . فتقدّم وقبل منكبيه ، وساخ في الأرض ، واستتر عن العيون . فأخرج اللّه تعالى من كل واحد من منكبيه حية سوداء فهاله ذلك وأزعجه وأحضر

--> فعرفنا الخبر . وإذا على الجبل حوانيت كثيرة فيها قوم من الحدّادين حول تلك القلعة عليهم نوائب يضربون مطارقهم على سنداناتهم ساعة بعد ساعة ، ويتكلمون بكلام يهجسون به موزون عند ضربهم لا يفترون لحظة . فسألنا الشيخ عن هذه الحوانيت فقال هؤلاء الحدّادون طلسم على البيوراسف لئلا ينحل من وثاقه ، وإنه لدائبا يلحس وثاقه وسلاسله ، فإذا ضربت هذه المطارق عادت إلى ما كانت عليه من الغلظ . فان أحببتم الوقوف عليه وعلى هذا الحيوان المحبوس أريتكم برهان ذلك . فقال له القائد : ما جئت لغير هذا الذي وصفت . فأخرج لهم الشيخ سلما مخروزا من الصرم وسكك حديد . وجمع شبان القرية حتى صعد منهم من صعد ذلك السلم من قرار القلة إلى مقدار مائة ذراع في الجبل . ثم أرانا من الناحية الشرقية في القلة عند مطلع الشمس جوبة عظيمة وعليها أسكفة باب حديد عليه مسامير من حديد مذهبة مكتوب عليها بالفارسية على كل مسمار ما أنفق عليه ، وفوق الأسكفة كتابة تخبر أن على القلة سبعة أبواب من حديد مصاريع على كل مصراع أربعة أقفال . قد كتب على كل عضادة منها : « له أمد يجرى إلى غايته ونهاية لا يعدوها فلا يعرض خلق لفتح شئ منها فيهجم من هذا الحيوان على الإقليم آفة لا مدفع لكم منها ولا حيلة لكم في صرفها » . « فقال موسى بن حفص : ويحكم ! فحيوان منذ آلاف سنين يبقى بغير قوت ؟ فقال الشيخ : طعامه القديم الذي تغذى به مطلسم في جوفه . فهو يتغلغل في صدره ، ويرتفع إلى لهواته حتى يمتلئ منه ، قد منع من إخراجه . فذلك غذاؤه . فانصرفوا ولم يحدثوا شيئا . وكتب بخبره إلى